من قانا حتى غزة.. “إسرائيل” تنكر وتزيف الحقائق حول التحقيقات في جرائمها

٥.٣.٢٠١٩

ترجمة خاصة- وطن/ ترجمة الاء راضيمن قانا حتى غزة.. "إسرائيل" تنكر وتزيف الحقائق حول التحقيقات في جرائمها

لقد كتبت مؤخراً عن تقرير للاتحاد الأوروبي حول نمو المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وجادلت بأن الاتحاد الأوروبي كان مجتهداً في توثيق انتهاكات “إسرائيل” للقانون الدولي، لكنه فشل بشكلٍ فريد في محاسبة هذه الانتهاكات حتى عندما هدمت اسرائيل المشاريع الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي.

صدر تقرير مؤخراً من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للتحقيق في تصرفات الجيش الإسرائيلي على الحدود الشكلية الفاصلة مع قطاع غزة منذ 30 آذار من العام الماضي، والتي شكلت بداية احتجاجات مسيرة العودة الكبرى، ومنذ ما يقارب ال 50 أسبوعاً قام قناصة إسرائيليون بإطلاق النار على الرجال والنساء والأطفال  الفلسطينيين بشكل متعمد وبدقة تقشعر لها الأبدان.

وفي “تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الاحتجاجات في الأرض الفلسطينية المحتلة رقم – A / HRC / 40/74” يقر بأن الاحتجاجات السلمية “كانت ذات طبيعة مدنية وأهداف سياسية محددة بوضوح”، فقد طلب المتظاهرون أن يسمح لهم بالعودة إلى المنازل التي طردوا منها منذ عام 1948 ورفع الحصار عن غزة،  فبدلاً من تلبية مطالبهم السلمية والمشروعة منذ البداية قتلت “إسرائيل” أكثر من 200 فلسطيني، بمن فيهم الصحفيون والمسعفون وأصابت العشرات من الشبان الذين يضطرون الآن لمواجهة الحياة على أنهم مبتورو الأطراف بدلاً من أن يكونوا رياضيين.

المفارقة هنا هي أن “إسرائيل” اشتكت من قرار ماليزيا بحظر فريق البارالمبياد الإسرائيلي من التنافس في البلاد  بينما كان الجيش الإسرائيلي يقدم مساهمته ودوره المثير للاشمئزاز في تكوين الفريق الفلسطيني من المعاقين الرياضيين من خلال استهدافها لهم.

يقدم تقرير مجلس حقوق الإنسان قراءة خطيرة، حيث يُتهم الجنود الإسرائيليون بـ “إطلاق النار عمداً على المدنيين الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية ولا يشكلون تهديداً مباشراً”، ويحذر التقرير من أن “انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الخطيرة هذه قد تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية”.

وكان رد فعل “إسرائيل” متوقعاً ويتبع سلسلة طويلة من الإنكار والتزييف لأي تقرير يتهمها بارتكاب مخالفات، ووفقاً للمتحدث باسم وزارة الخارجية يقول “لقد ولد هذا التقرير في الخطيئة وفي قرار منحاز من جانب واحد من الناحية السياسية والذي حدد النتيجة قبل أن يبدأ التحقيق”، وتابع مع إلقائه اللوم على حماس: “[حماس] لديها الحرب المعلنة على “إسرائيل” ودعوات لقتل اليهود، وتقوم حماس بتنسيق الهجمات واستخدام المدنيين في غزة كأسلحة بشرية لمهاجمة “إسرائيل” والمدنيين الإسرائيليين، فحماس تستغل المدنيين في غزة كدروع بشرية للإرهابيين”، وكالعادة عندما يتم تقديم مثل هذه الادعاءات لا يتم تقديم أي دليل لدعمها  ولا الحق المشروع في مقاومة الاحتلال العسكري على الإطلاق.

واستمر المتحدث في تزييف لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وكتّاب التقرير الثلاثة: “إن لجنة حقوق الإنسان تصبح شريكاً في منظمة إرهابية وتدعم عدوان حماس على إسرائيل واضطهاد سكان غزة”، ويزعم أن الكتّاب الثلاثة يفتقرون إلى أي فهم في المسائل الأمنية دون خلفية مهنية ذات صلة.

وقد بدأ المدافعون الإسرائيليون في العمل لإدانة التقرير بما في ذلك المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب  جاسون جرينبلات،حيث قال “إن تقرير لجنة التحقيق هو مظهر آخر من التحيز الواضح من مجلس حقوق الإنسان ضد إسرائيل”، وهذا يعد البلد الوحيد الذي يخصص له المجلس بنداً قائماً من بنود جدول الأعمال”.

إن إدانة التحقيقات في جرائم “إسرائيل” وتزييف عمل فرق التحقيق والهيئات التي تشكلها ليست بالأمر الجديد، فقد  أنشأ مجلس حقوق الإنسان تحقيقاً في الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 والذي استمر 50 يوماً، مما أسفر عن مقتل أكثر من 2000 فلسطيني وتسبب في دمار شامل.

قام تقرير لجنة التحقيق المستقلة حول نزاع غزة عام 2014 رقم – A / HRC / 29/52 باتهام كل من حماس و”إسرائيل” حول ارتكاب جرائم حرب. “إسرائيل لا ترتكب جرائم حرب” ، زعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عندما رفض التقرير. “إسرائيل تدافع عن نفسها ضد منظمة إرهابية تدعو إلى تدميرها وتنفذ العديد من جرائم الحرب” واتهم اللجنة بأنها “متحيزة بشكل سيئ” ضد إسرائيل.

وفي أعقاب تصاعد العنف في تشرين الثاني 2012 انتقد تقرير للأمم المتحدة الجماعات الفلسطينية المسلحة والجيش الإسرائيلي، وأصرت على أن “الأخيرة” لم تدعم المبادئ الأساسية لسلوك الأعمال العدائية ولا سيما مبدئ التمييز والتناسب في القوى وإجراءات الحيطة “، وقد وثق التقرير عدداً من الحالات بما في ذلك حالة وقعت في 18  تشرين الثاني وهي غارة جوية إسرائيلية استهدفت دون سابق إنذار منزل من ثلاثة طوابق تعود ملكيته لعائلة الدلو في حي النصر وسط مدينة غزة، وأدت الغارة إلى استشهاد 12 شخصاً، من بينهم خمسة أطفال وأربع نساء، ومرة أخرى رفضت إسرائيل الانتقادات ولم يتم محاسبة أي فرد إسرائيلي.

في أعقاب الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة في أيلول 2008، نشرت الأمم المتحدة تقرير جولدستون حول الأحداث المدمرة التي وقعت في الفترة ما بين 27 كانون الأول 2008 و 17 كانون الثاني 2009 والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1300 فلسطيني، واتهم التقرير إسرائيل وجماعات فلسطينية مسلحة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لقد كان رد فعل إسرائيل متوقعاً وقالت وزارة الخارجية إن “إسرائيل ترفض القرار الأحادي الجانب الذي تبناه مجلس حقوق الإنسان في جنيف وتناشد جميع الدول المسؤولة رفضه كذلك. [القرار] يوفر التشجيع للمنظمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم ويقوض السلام العالمي، كما اتهم المركز الدولي لحقوق الإنسان بالتحيز ضد إسرائيل.

حصار إسرائيل وهجومها على مخيم جنين للاجئين في نيسان 2002  الذي استمر 10 أيام وقتل العشرات إن لم يكن المئات من الفلسطينيين (الأرقام المختلف عليها) جلب مرة أخرى اتهامات بارتكاب جرائم حرب موجهة ضد إسرائيل، وقد رفضت الحكومة الإسرائيلية السماح لفريق الأمم المتحدة بإجراء تحقيق ميداني مما أدى إلى قيام الأمم المتحدة بإعداد تقرير يستند إلى الأدلة المتاحة، وخلص التقرير إلى القول: “باختصار ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية دون أدنى شك انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي”، كذلك وبدون شك ارتكبت إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، جرائم حرب بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة في عدة مدن فلسطينية، بما في ذلك في مخيم جنين للاجئين”، ومع ذلك لم يعترف التقرير بتسمية الانتهاكات تحت مسمى المجزرة بحسب الرواية الفلسطينية وهو القرار الذي كانت ترحب به الحكومة الإسرائيلية، علاوة على ذلك تم الحكم على التقرير بأنه “معيب بشكل خطير” من قبل منظمات حقوق الإنسان وصحيفة إندبندنت البريطانية  والتي تمكنت من تأكيد العديد من المزاعم ضد دولة الاحتلال، لكن لم يُحاسب أي إسرائيلي على الإطلاق عن أي انتهاكات.

من الممكن العودة مرة أخرى إلى الفظائع الإسرائيلية لإظهار عدم المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، ففي 18 نيسان 1996  قصفت القوات اﻹسرائيلية مجمع اﻷمم المتحدة في قانا، في جنوب لبنان، حيث لجأ إليه 800 مدني لبناني وقتل 106 أشخاص في الهجوم، كما ادعت إسرائيل أن كان هذا بسبب مشاكل فنية بدلاً من أنه استهداف متعمد لمرفق تابع للأمم المتحدة، غير أن التحقيق التالي الذي أجرته الأمم المتحدة خلص إلى أنه “في حين لا يمكن استبعاد الإمكانية بشكل كامل  فإنه من غير المحتمل أن يكون قصف مجمع الأمم المتحدة نتيجة لأخطاء فادحة و / أو إجرائية”. كما وجدت الأمم المتحدة أنه “فعلى العكس من الإنكار المتكرر للاستهداف المتعمد كانت هناك مروحيتين إسرائيليتين ومركبة موجهة عن بعد موجودة في منطقة قانا وقت القصف”، ودعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق مستقل يقول:” لا يكفي أن يحقق الجيش الإسرائيلي بنفسه، فلدى إسرائيل تاريخ إما أنها لا تحقق في مقتل مدنيين أو تجري تحقيقات معيبة مشابهة “.

والآن نحن هنا بعد 23 عاماً يدعو تقرير الأمم المتحدة الأخير “إسرائيل” مرة أخرى للتحقيق في جرائمها، على الرغم من أن الجميع يعلم أن إسرائيل لا تجد شعبها مذنباً ويستبعد دائما التقارير التي يقوم بها المحققون المستقلون ويتهمها على أنها منحازة وتنفي الدخول إلى فرق التحقيق وترفض التعاون، كما تدعي ” اسرائيل” أنها تطبق أعلى معايير التنظيم الذاتي ولكن لم يُحمّل أي شخص المسؤولية الكاملة عن أي جرائم وعن آلاف الوفيات وعشرات الآلاف من الجرحى وعشرات الآلاف من المنازل التي دمرها الإسرائيليون منذ مجزرة قانا ناهيك عن المجازر الأخرى التي حدثت منذ عام 1948.

لقد حان الوقت لكي تُحاسب “إسرائيل” على أفعالها من أجل أولئك الذين عانوا بسببها، وإذا كان لدى القانون الدولي أي مصداقية على الإطلاق  فنحن بحاجة إلى ضمان أن تحترم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حقوق الإنسان والسعي إلى العدالة من خلال الإجراءات القانونية اللازمة.

المصدر:ميديل ايست مونيتور

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s