الجيران المزعجون: ماذا لو سيطر مشروع استيطاني متدين على بريطانيا؟

18.03.2019

ترجمة خاصة وطن / الاء راضي

لفهم قضية  استيلاء “إسرائيل” على الأراضي في فلسطين، تخيل رد الفعل العنيف في حال انطبقت الظروف على بريطانيا.

لقد قام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الشهر بتأجيل نشر قاعدة البيانات حول الشركات المتواطئة في مشروع الاستيطان غير القانوني في “إسرائيل”.

تخيل لو اتخذت حكومة بريطانية متطرفة بإصدار قانون يعطي المسيحيين البريطانيين الحق وحدهم في تقرير المصير في البلاد، ويشجع المستوطنات التي بنيت فقط للمسيحيين.

وفجأة يتحول البريطانيون غير المسيحيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، كما تقوم المجتمعات ذات الغالبية المسيحية بتأسيس “لجان القبول”، ويتعين على الراغبين في الانتقال التقدم بطلب للقبول وهو أمر يمكن رفضه، يبدو غريباً أليس كذلك؟ واصل القراءة.

“الأرض ملكهم”

في صباح أحد الأيام تستيقظ وتنظر إلى نافذتك لتجد أن مجموعة من الغرباء قد شقوا طريقهم إلى حديقتك الخلفية وطوقوا جزءاً منها وبدأوا في الحفر، فتتحداهم لكنهم يخبرونك أن هذه هي بريطانيا المسيحية، وبصفتهم مسيحيين بريطانيين يمكنهم البناء في أي مكان لأن “الأرض ملك لهم”.

فتطلب منهم بأدب أن يغادروا  لكنهم يرفضون، وبدلاً من ذلك يبدأون في وضع الأساس والشاحنة تجلب الكرفان الذي يتنقلون به، وتحاول أن تمزق السياج الذي وضعوه لكن اثنين من حراس الأمن المسلحين المجهولين يهددونك وينقلون السياج أكثر نحو منزلك حتى يتمكنوا من تجهيز الكرفان والمرحاض الخاص بهم.

وفي حالة من اليأس  تتصل بالشرطة على أمل أن يهرعوا لمساعدتك ولكن بدلاً من ذلك فإنهم يقفون معهم، وتخبرهم أن هذه هي أرضك ومنزلك  ولكن دون جدوى.

ويقولون لك فلتدافع عن قضيتك في المحاكم، فتقوم انت بالاتصال بجارك لإخباره بما حدث  لتكتشف أنه عانى من نفس المصير، فتدرك مباشرة أن الحي بكامله قد استولى عليه أشخاص غرباء لا ينتمون إليه.

ويعود أطفالك من المدرسة لتجد أن المعتدين قد أقاموا نقطة تفتيش للسيطرة على الحركة في الحي واستأجروا شركة أمنية لإدارتها، فيبدأ أطفالك في البكاء بعد اكتشاف أن المعتدين استولوا على جزء من الحديقة التي  كانوا يلعبون بها.

بطء عجلة العدالة

يشعر أحد جيرانك بالانزعاج بشكل خاص لأن الأمر لم يقتصر على أن يستوطن المعتدون على جزءاً من أرضه لبناء منزل لهم، بل قاموا ببناء طريق يربط الطريق الرئيسي وأخبروا جارك بأنهم فقط يمكنهم استخدام هذا الطريق، ولتسهيل التعرف على المركبات خاصتهم، قاموا باستبدال لوحات الأرقام البيضاء التقليدية باللون الأصفر.

تسير عجلة العدالة ببطء شديد حيث يتم تأجيل موعد جلسة المحكمة باستمرار.

وعلى شاشة التلفاز الخاصة بك، ترى الساسة يحتفلون بنمو المستعمرات العشوائية والبعض انتقل للعيش فيها، معلنين أن هذا هو ما تدور حوله بريطانيا “تحرير الأرض للمسيحيين البريطانيين”.

ومن المقرر عقد جلسة استماع المحكمة في ستة أشهر، بحيث تتحول العشوائية إلى عنف أكثر عندما يضايقون السكان وتتزايد أعدادهم، فمن الواضح أنهم يحاولون جعل حياتك بائسة لدرجة أنك ستغادر.

تحكم المحكمة لصالح الأحياء العشوائية ولكنها تأمر بنقل السياج في حديقتك على بعد بضعة أمتار من منزلك، وتستيقظ كل صباح وتذهب للنوم كل ليلة وتشعر بالإهانة والغضب، ومما يزيد الطين بلة، يبني المعتدون ملعباً وبركة لأطفالهم على أرضك، فتحاول أن تشرح لأطفالك الذين يشعرون بالضيق والإرهاب، والذين يحتاجون الآن إلى أن تصاحبهم من وإلى المدرسة، لماذا حدث هذا وهو الخطأ بعينه! أنت تخبرهم أنك واثق من أن المعتدين سيغادرون في يوم من الأيام لأن ما فعلوه غير قانوني وتعدهم ببناء ملعب أفضل لهم.

غض الطرف

لكن عندما تكتشف الشرطة من المدرسة أن أطفالك كانوا يخبرون أصدقائهم أن المعتدين ليس لهم الحق في التواجد هناك يقومون باعتقالك، متهمين إياك بتحريض أطفالك على كرههم، ومن مبدأ فرض العقوبة، يغضون الطرف عندما يحرك المعتدون سياجهم للاستيلاء على المزيد من أرضك حتى وصلوا داخل فناء منزلك.

تم استبدال الكرفان الآن بالمنزل، ويتم استخدام مياهك للحفاظ على نضارة العشب بينما يتلقى منزلك المياه مرة واحدة في الأسبوع مما يجبرك على شراء خزان للمياه.

وفي محاولة لكسب الإخلاء وفقدان الأمل في أن تتمسك المحاكم بحقوقها، يدعو المجتمع أولئك الذين يدعمون العدالة إلى المساعدة، فتطالب أنت المجتمع الدولي بالتدخل لكن لا أحد يبدو متحمساً لزعزعة بريطانيا المسيحية معتبرة ذلك “مسألة بريطانية داخلية”.

وعندها يقرر مجتمعك بناء قاعدة بيانات للكيانات المتواطئة لتخزي البنوك التي زودت الأموال، ليس فقط لبناء المنازل العشوائية، ولكن أيضاً لتمويل أعمال المعتدين والشركات التي زودت مواد البناء والكهرباء والإنترنت التي سمحت للمستعمرات العشوائية بالنمو.

تتبنى لجنة دولية لحقوق الإنسان القضية وتَعِد بنشر قاعدة البيانات هذه، فيشعر المجتمع بالفرحة العارمة، فأخيراً هناك طريقة سلمية للضغط على هذه الشركات لقطع العلاقات مع المستعمرات.

التواطؤ الدولي

لكن المعتدين يعترضون ويضغط مؤيدوهم على اللجنة لتأجيل نشر قاعدة البيانات، لأنهم يتهمونها بالتحيز ضد بريطانيا المسيحية ويدعون أن هناك “نزاعات” أخرى يجب أن تركز عليها أولاً.

وخوفاً من رد الفعل العنيف، تؤجل اللجنة النشر لأسباب فنية، فيتنفس المعتدون والكيانات المتواطئة الصعداء ويعودون لممارسة أعمالهم كالمعتاد، وفي الواقع، يستحوذ المعتدون على المزيد من الأراضي ويقدمون وظائف للسكان لأنهم مصدر لليد العاملة الرخيصة، والبعض يقبل بالعمل معهم لأن الاقتصاد قد تضرر بسبب أفعال المعتدين.

قد يبدو هذا السيناريو غريباً جداً لكنه يقدم إلى الجمهور البريطاني ما يحدث للشعب الفلسطيني، والذي أصفه بتجريد من الممتلكات والإذلال المستمر.

يستمر استيلاء “إسرائيل” على الأراضي حتى يومنا هذا مما يجعل من المستحيل حصول الفلسطينيين على العدالة والحرية والمساواة بعد سبعة عقود من إنشاء “إسرائيل” وطرد 750 ألف فلسطيني لإفساح المجال أمام الأغلبية اليهودية.

الظلم يبدو واضحاً حتى للأعمى، ومع ذلك  فهو مستمر بلا هوادة ، حيث أجلت الأمم المتحدة نشر القائمة السوداء للمستوطنات وسط ضغوط من “إسرائيل” والولايات المتحدة وغيرهم من المدافعين عن الفصل العنصري والسيطرة والقمع الإسرائيلي.

المصدر : Middle East Eye

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s