السفن والمسيرات لغزة

نشرت في صحيفة القدس العربي بتاريخ ١٧/٦/٢٠٢٥

بينما تتجه الأنظار لمتابعة ما يجري في العدوان الإسرائيلي على إيران تُحجب الأوضاع الصعبة في غزة عن شاشات التلفزيون، ما يعطي إسرائيل غطاء لتستمر في تجويعها وقتلها للفلسطينيين في غزة وتدميرها للقطاع.
وبينما يتساءل الشعب الفلسطيني عن سبب خذلانه من أخوته العرب والمسلمين، وهو يواجه أبشع الجرائم في القرن الواحد والعشرين، ويجد صمتا غير معقول من المجتمع الدولي، الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، يتساءل عن عدم اتخاذ خطوات واضحة لإيقاف إسرائيل عند حدها كدولة مارقة، مجرمة تمارس جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتطهيرا عرقيا وإبادة جماعية، لو قامت بها دولة أخرى لتم إنزال عقوبات بها وحتى تجميد عضويتها في الأمم المتحدة، ولكن هذه إسرائيل، الكيان المدلل لدى الغرب، الذي يتغنى بأنه الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن جيشه أكثر الجيوش أخلاقية، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم.
نحن كفلسطينيين نعلم أن هذين الادعاءين أبعد ما يكونان عن الواقع، فقانون القومية (2018) أعطى اليهود فقط حق تقرير المصير في إسرائيل، دون تعريف حدودها وبهذا القرار تم سحب حق تقرير المصير ليس فقط من الفلسطينيين، بل من الدروز، الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، ويعتبرون أنفسهم إسرائيليين. فإسرائيل تعترف بأنها ليست دولة جميع الحاملين لجنسيتها، ولذلك هي ليست دولة ديمقراطية لكل مواطنيها، بل دولة أبارتهايد.
أما ادعاؤها أن جيشها يتحلى بأخلاقية، فدمرته فيديوهات وصور جيشها وهو يهدي تدمير مبانٍ في غزة لعائلته أو أصدقائه ولبسه لملابس داخلية لنساء غزة العفيفات، واتهام رئيس الحزب الديمقراطي للجنود، بأن قتل الأطفال أصبح هوايتهم. كان المفروض أن يتم عزل ومعاقبة إسرائيل منذ أشهر، نظرا لجرائمها، ولكن أمريكا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي أطلقت يدها دون قيود، فخرجت الشعوب حول العالم بملايينها، في عواصم دولها وكنت فخورا بقيادة المظاهرة المليونية في لندن. وضغطنا على أعضاء البرلمان في بريطانيا مطالبين بوقف إطلاق النار الدائم، ولكن ذلك لم يتحقق. استمرّت المظاهرات وتصاعد قمع الشرطة في عدة دول منها بريطانيا وألمانيا، ووسم المتظاهرون بدعمهم لحماس ومعاداتهم للسامية، مع أنها كانت وما تزال سلمية، أهم المجموعات في العديد منها هي المجموعة اليهودية، التي تشعر بالأمان داخل المظاهرات، ويتحدث أفرادها على المنصات داعمين الشعب الفلسطيني ويتنصلون من إسرائيل وجرائمها، التي تُرتكب باسمهم. بالإضافة للمظاهرات كان من الضروري إيجاد طرق تتعدى المسيرات والمظاهرات مع أهمية استمرارها، لدعم غزة والضغط على إسرائيل. تطور نوعان من المبادرات، الأول استمرارية سفن كسر الحصار على غزة، والنوع الثاني تمثل بترتيب مسيرات من دول مختلفة عربية وأوروبية إلى معبر رفح. في السابق قابلت إسرائيل مبادرات كسر الحصار بالقوة القاتلة، كما حصل عندما حاول أسطول الحرية الوصول إلى غزة في 2010 بسفن محملة بالناشطين، حيث تم قتل عشرة منهم على متن (المافي مرمرا) وسحب السفن إلى إسرائيل واعتقال من كان على متنها.

يتساءل الشعب الفلسطيني عن سبب خذلانه من أخوته العرب والمسلمين، وهو يواجه أبشع الجرائم في القرن الواحد والعشرين، ويجد صمتا من المجتمع الدولي، الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان

ردا على الاعتداء البربري على فلسطينيي غزة بعد طوفان الأقصى، وعدم تأثير المسيرات العارمة في عواصم عديدة على مدى سنة ونصف السنة، أعاد من كانوا وراء أسطول الحرية محاولة كسر الحصار على غزة، بإرسال سفينة (الضمير) من سيسيليا إلى غزة محملة بالمساعدات الإنسانية والناشطين الحقوقيين في مايو من هذا العام. ولكن القوات الإسرائيلية هاجمت السفينة بمسيرات في المياه الدولية وأعطبتها، وبذلك منعت وصولها إلى غزة. ولكن ذلك لم يثنِ المنظمين عن القيام بمحاولة أخرى لمحاولة كسر الحصار، فنظمت رحلة أخرى بسفينة أصغر سميت (مادلين) وكان على متنها 12 ناشطا حقوقيا من بينهم عضو البرلمان الأوروبي، الفلسطينية الأصل الفرنسية الجنسية ريما حسن، والناشطة المعروفة في مجال المناخ غريتا ثونبيرغ. وكانت السفينة محملة بمساعدات رمزية، بسبب صغرها، من ضمنها حليب للأطفال لمساعدة الخدج المعانين من الجوع الشديد، بسبب فرض إسرائيل حصارا تاما على غزة وشبه انعدام حليب الأطفال. ما أكد استعمال إسرائيل للجوع سلاحا في حربها على الفلسطينيين.
بعد تحذير من إسرائيل لربان السفينة بعدم الاستمرار بمحاولة الوصول إلى غزة التي رفضها الناشطون، قامت قوة إسرائيلية بمحاصرة السفينة والقبض على الناشطين في المياه الدولية، واقتياد السفينة إلى أسدود يوم 9 من هذا الشهر. وقد حاولت إسرائيل بالبروباغندا المعتادة إظهار الجيش الإسرائيلي (الأخلاقي) وهو يوزع سندويتشات وماء على المحتجزين. ومع أن بعضهم مثل ثونبيرغ عاد إلى أوروبا بعد ساعات من الاعتقال والبعض بعد أيام، إلا أنها استمرت باعتقال الآخرين لأيام أخرى. حاولت إسرائيل انتزاع تواقيع من المحتجزين تثبت أنهم دخلوا إسرائيل بشكل غير قانوني، مع أنهم لم يصلوا مياهها الإقليمية، بل كان اعتقالها لهم هو العمل غير القانوني.
لكن مع احتجاز السفينة الذي كان متوقعا، أوصل الناشطون رسالة إلى العالم عن ممارسات إسرائيل المعارضة للقانون الدولي ومنع إيصال مساعدات لغزة لمن يحتاجون مساعدة الفلسطينيين والأطفال بالذات، مع أن المساعدات حق للفلسطينيين، وهي ملزمة كقوة احتلال بتوفير المساعدات لمن تحتل. وليس هناك أي شك بأن هذه المحاولة أعادت القضية الفلسطينية إلى الصدارة بسبب هدفها النبيل والناشطين المعروفين بإنسانيتهم. وعرت إسرائيل كدولة غاشمة ترمي القانون الدولي الإنساني عرض الحائط. كما قربت الضغط على إسرائيل جغرافيا فقد وصلت لأقل من 100 كيلومتر عن غزة. وستكون هناك محاولات أخرى لكسر الحصار بهذه الطريقة لإبقاء الضغط على إسرائيل. التحدي الآخر لإسرائيل أتى من خلال ترتيب مسيرات شعبية من عدة دول تتجمع عند معبر رفح وتحاول الدخول إلى غزة. وهذه طريقة أخرى لتقريب الضغط على إسرائيل لمسرح الإبادة الجماعية والتجويع، فكانت المشاهد في تونس لانطلاق هذه القافلة ومرورها إلى ليبيا مثلجة للصدر ورحب بها أهل غزة. كما كانت مشاهد أوروبيين يسافرون إلى أقرب دولة لمعبر رفح، مصر أيضا مؤثرة، ولكن السؤال بقي كيف ستتعامل مصر مع هؤلاء وهل ستسمح لهم بالدخول والوصول إلى غزة؟ للأسف الشديد ما وصل من أخبار عن ممارسات مصر كان مغضبا ومحبطا، حيث إنها منعت دخول العديد ممن أتوا برا واحتجرت العديد ممن أتوا جوا من أوروبا وغيرها بعمل لا يفسر، إلا بأنها امتثلت لمطالبات إسرائيل بذلك، وكأنها توافق على تسمية وزير الدفاع الإسرائيلي لهم بالجهاديين، مع أن من شاهدناهم على شاشات التلفزيون كانوا أناس عاديين من أمهات ونقابيين ومحامين وأطباء وممرضين. كان الأجدى بمصر «أم الدنيا» أن تدعم هؤلاء الذين غامروا بحياتهم وتركوا أعمالهم لنصرة إخوتهم في غزة. بل كانت هناك فرصة لأن يقود هذه المسيرة وزراء خارجية بعض الدول العربية، الذين منعتهم إسرائيل من الوصول إلى رام الله للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بل أن يكون جميع وزراء خارجية الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية وأمينها العام في القيادة ورافعين لأعلام دولهم يتجهون إلى رفح، ومن خلفهم أبناء وبنات من شعوبهم مصرين على كسر الحصار وإيصال المساعدات لأهلهم في غزة.. بل كانت فرصة للرئيس عباس نفسه أن يكون في قيادة هذا الحشد العظيم، ولتكن هذه المسيرة أكبر تحد لإسرائيل ووساما لمصر لتسهيل تجمع الناشطين لكسر الحصار بطريقة خلاقة، يشاهدها العالم على شاشات التلفزيون. ما زال هناك وقت لجلب المظاهرات من عواصم العالم إلى رفح وأن يأخذ القادة مكانهم على مشارف غزة، وأن يترك الرئيس الفلسطيني مكتبه في المقاطعة ويشكر المتضامنين من جميع أصقاع الأرض متجها معهم لغزة العزة. قال نتنياهو إنه لن يسمح لفتحستان أو حماسستان فماذا سيعمل بمسيرة عالمستان؟
كاتب فلسطيني

Leave a comment